ثالثا : آليات حماية حقوق الانسان
1ـ الآليات العالمية ( الدولية )
أ ـ آليات منظمة الأمم المتحدة لحماية حقوق الانسان
الأمم المتحدة هي منظمة دولية حكومية تعد الراعي الأول للاتفاقيات الدولية التي تعنى بحقوق الانسان ،كم تعمل على إرساء وتنفيذ القواعد المنبثقة عنها للحفاظ على السلم والأمن الدوليين من خلال تجنيب الأجيال القادمة ويلات الحروب والنزاعات التي تنجر عنها انتهاكات جسيمة في حق الإنسانية ،ولأجل تحقيق مقاصدها أنشئت أجهزة رئيسية ووكالات متخصصة في شكل فروع ثانوية تتولى مهمة الرقابة والإشراف والمتابعة على مدى التزام الدول الأعضاء بتطبيق تعهداتها الدولية ، بالإضافة الى العديد من الأنشطة التي تقوم بها في مجال حماية حقوق الانسان.
كما تتلقى المنظمة تقارير حول وضعية حقوق الانسان في كل بلد والعمل على كشف الانتهاكات الجسيمة ،ودعوة الدول الأعضاء الى تحسين أوضاع حقوق الانسان على الصعيد الداخلي وتقديم المقترحات الكفيلة بذلك ،خاصة وأن حماية حقوق الانسان لم تعد مسألة داخلية فقط وإنما أصبحت إهتماما عالميا مشترك ينبغي على جميع الدول التعاون معها لتأمين الحماية.
لأجل ذلك أنشئ بموجب الميثاق ستة أجهزة رئيسية طبقا لنص المادة السابعة الفقرة الأولى من الفصل الثالث وهي كل من الجمعية العامة ، مجلس الأمن ، المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ، مجلس الوصاية ، محكمة العدل الدولية ، الأمانة العامة ،حيث أوكل لكل واحدة منها دور في مجال حماية حقوق الانسان و هو ما سنعرضه تباعا.
- دور الجمعية العامة في مجال حماية حقوق
الانسان :
تتألف الجمعية العامة للأمم المتحدة من جميع الدول الأعضاء في المنظمةبحيث تكون العضوية فيها مفتوحة للجميع بشرط وجود دولة قائمة وصاحبة سيادة معترف بها من طرف الدول وقادرة على تنفيذ إلتزاماتها، ومن بين مهامها الرئيسية الرقابة والاشراف على مدى إلتزام الدول بتنفيذ تعهداتها الدولية خاصة في مجال حقوق الانسان ،بحكم أن لها صلاحية مناقشة ودراسة جميع المسائل المتعلقة بحقوق الانسان طبقا لما نصت عليه المادة العاشرة من الفصل الرابع من الميثاق : "للجمعية العامة أن تناقش أية مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق أو يتصل بسلطات فرع من الفروع المنصوص عليها فيه أو وظائفه. كما أن لها في ما عدا ما نصّ عليه في المادة 12 أن توصي أعضاء الهيئة أو مجلس الأمن أو كليهما بما تراه في تلك المسائل والأمور ".
لأجل هذا تعقد الجمعية العامة اجتماعا سنويا يتم فيه دراسة جميع القضايا المتعلقة بوضعيات حقوق الانسان في العديد من الأقاليم في العالم للخروج بقرارات وتوصيات تكون كفيلة بتحقيق الحماية وعليه سنحاول حصر دور الجمعية العامة في مجال حقوق الانسان كالآتي :
ـ دور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مجال التقنين الدولي :
عملت الجمعية العامة منذ القدم على تقنين قواعد القانون الدولي لحقوق الانسان من خلال تقديم مشاريع اتفاقيات دولية واعتماد اخرى وذلك بغية الحد من الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الانسان في كل مرة في ظل غياب نص قانون لحمايته نذكر من أهم المواثيق الدولية التي أقرتها على سبيل المثال :
ــ إتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
ــ اتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير لعام 1949.
ــ اتفاقية بشأن حقوق الساسية للمرأة لعام 1952.
ــ بروتوكول المتضمن تعديل الاتفاقية الخاصة بالرق المنعقدة بجنيف في 25 سبتمبر 1926 واعتمدته الجمعية العامة في 22 أكتوبر 1953.
ــ اتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة لعام 1957.
ــ اتفاقية الرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج لعام 1962.
ــ العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966.
ــ إتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لعام 1968.
الى جانب كل هذه الترسانة من الاتفاقيات الدولية التي عملت الجمعية العامة على انشائها واعتمادها قامت كذلك بإنشاء اللجان الدولية المنبثقة عن هاته الاتفاقيات بمقتضى قرارات صادرة عنها نذكر منها على سبيل المثال :
ــ اللجنة الخاصة بالقضاء على التمييز العنصري المنشئة بمقتضى القرار رقم 2106 الصادر في 21 جوان 1965.
ــ اللجنة المعنية بحقوق الانسان المنبثقة عن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
ـ دور الجمعية العامة في مجال إصدار الإعلانات والتوصيات الخاصة بحقوق الإنسان :
عملت الجمعية لضمان حماية حقوق الانسان على إصدار العديد من التوصيات والإعلانات المتعلقة بحماية حقوق الانسان والتي كان لها دور كبير في الحد من الانتهاكات الجسيمة رغم فراغها من القوة الإلزامية كونها لا ترقى لأن تكون قواعد قانونية ومع ذلك كان لها الفضل في إرساء قواعد عرفية وحتى اتفاقية نذكر منها على سبيل المثال :
ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 .
ـ إعلان حقوق الطفل لعام 1959.
ـ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة لعام 1960.
ـ إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1963.
ـ إعلان اللجوء الإقليمي لعام 1967.
كما يمكنها أن تتدخل في مجال نزع السلاح وتنظيم التسليح اذا رأت في ذلك ما يمس بالسلم والأمن الدوليين لأن بسبب سوء استعمال السلاح سينجر عنه انتهاك حقوق الانسان هذه الخروقات التي من شأنها الاخلال بالسلم و الأمن (المادة 11 فقرة 01 ) ، الى جانب هذا يكمل دور الجمعية طبقا للمادة الثالثة عشر فقرة 01 (ب) في : " إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية ، والإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة بلا تمييز بينهم في الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء".
ـ دور الجمعية العامة في مجال حماية حقوق الانسان من خلال عقد الدورات المؤتمرات الدولية :
لدراسة ومناقشة واستعراض وضعية وواقع حقوق الانسان في العالم وتعزيز الحماية تعقد الجمعية العديد من الدورات العادية والاستثنائية وحتى الطارئة بالإضافة الى المؤتمرات الدولية وهذا بحضور ممثلي جميع الدول الأعضاء في المنظمة بهدف تقريب وجهات النظر وتحقيق المساواة بين الدول والخروج بقرارات وتوصيات وحتى اتفاقيات دولية جديدة بتوافق أراء الحاضرين ، حيث نتج عن مثل هذه المناسبات نذكر على سبيل المثال :
ـ مؤتمر طهران لعام 1966 الذي توج بصدور إعلان طهران لحقوق الانسان.
ـ مؤتمر الأمم المتحدة المتعلق بدراسة حرية الإعلام والذي توج بصدور الاعلان المتعلق بحرية الاعلام لعام 1948.
ـ المؤتمر الدولي للمرأة الذي عقد بمدينة ميكسيكو ستي سنة 1975 الذي انبثق عنه صدور اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979.
الى جانب هذا إعتمدت الجمعية العامة العديد من القرارات الدولية الهامة والتاريخية في مجال حماية حقوق الانسان بمناسبة المؤتمرات والدورات التي تعقدها نذكر أهمها :
ـ القرار رقم 131 الصادر سنة 1988 المتعلق بتقديم المساعدات الانسانية لضحايا الكوارث الطبيعية .
ـ القرار رقم 1571 الصادر سنة 1993 المتعلق بحماية الأطفال المتأثرين من النزاعات المسلحة .
ـ القرار رقم 201 الصادر سنة 1993 المتعلق بتقديم المساعدات الإنسانية والاجتماعية لدولة الصومال .
بالإضافة الى الكثير من القرارات التي تقضي بفض النزاعات المسلحة في العديد من الدول والعمل من أجل حماية وتعزيز حقوق الإنسان خاصة منها ما تعلق بحماية الأطفال والنساء والبث في الانتهاكات الجسيمة ،كما تضمنت دعوات موجهة لبعض الدول التي شهدت توترات واضطرابات داخلية وحروب أهلية وكوارث طبيعية ...وغيرها تدعوها فيها ضرورة احترام قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وإقرار التعاون الدولي في هذا الشأن.
ـ دور الجمعية العامة لأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان من خلال اعتماد وإنشاء لجان وأجهزة فرعية :
تعمل الجمعية العامة على إنشاء ما تراه مناسبا من أجهزة فرعية للقيام بوظائفها خاصة في مجال حماية حقوق الانسان عملا بموجب المادة 22 من الميثاق : " للجمعية العامة أن تنشئ من الفروع الثانوية ما تراه ضروريا للقيام بوظائفها "و هذا لتسهيل دورها في مجال الرقابة والاشراف على مدى احترام المواثيق الدولية من طرف الجميع ، نذكر منها على سبيل المثال : ( اللجنة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري ، اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الغير قابلة للتصرف ، اللجنة المعنية بإنهاء الاستعمار ، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ، المفوض السامي لحقوق الانسان ... وغيرها ) ، كما تعمل على اعتماد اللجان الدولية المنشئة بموجب الاتفاقيات الدولية للقيام بدورها في مجال الرقابة و الاشراف و رفع التقارير اليها .
لكن ما يعاب على الجمعية العامة أن كل القرارات والتوصيات الصادرة عنها بشأن الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان ليست لها الصفة الإلزامية ولا تتسم بالقوة في التطبيق إذ تبقى فقط عبارة عن شعارات إدانة وتنديد واحتجاج ،ومع ذلك يبقى تأثيرها نسبي من خلال عرض الانتهاكات الواقعة خلال الدورات التي تعقدها ودعوة الدول المعنية بها لحضور مثل هذه اللقاءات الرسمية ليتم الضغط عليها وإحراجها أمام غيرها من الدول لوقف الانتهاكات التي ترتكبها لأن مثل هذه التصرفات له تأثيراته السلبية على العلاقات الدولية الأمر الذي يضطرها الى تصحيح مسارها.
أما في مجال تلقي التقارير بخصوص المسائل المتعلقة بحقوق الانسان التي من شأنها تهديد السلم و الأمن الدوليين تتلقى الجمعية العامة تقارير من عدة جهات سواء كانت الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة أو وكالاتها المتخصصة و كذا من الدول و المنظمات الحكومية و غير الحكومية واللجان الدولية المعتمدة من طرفها بموجب الاتفاقيات الدولية ، حيث تتولى بدورها دراستها ومناقشتها خلال المؤتمرات الدولية التي تعقدها و اصدار قرارات و توصيات بشأنها ، كما تعمل على احالتها الى الأمانة العامة و مجلس الأمن و تبلغ بها الدول المعنية بانتهاكات حقوق الانسان تطبيقا للمادة 15 من الميثاق : " تتلقى الجمعية العامة تقارير سنوية وأخرى خاصة من مجلس الأمن للنظر فيها ، وتتضمن هذه التقارير بياناً عن التدابير التي يكون مجلس الأمن قد قرّرها أو اتخذها لحفظ السلم والأمن الدولي المادة 24 فقرة 03 من الميثاق : " يرفع مجلس الأمن تقارير سنوية ، وأخرى خاصة ، إذا اقتضت الحال إلى الجمعية عامة لتنظر فيها.
تتلقى الجمعية العامة تقارير من الفروع الأخرى للأمم المتحدة وتنظر فيها" .