المحور الثاني : تكريس أكثر للطرق الودية لحل النزعات المتصلة بالاستثمار
فضلا عن دور اللجنة فيما يتعلق بالنظر في الطعون المقدمة من المستثمرين ،وفقا لما سبق بيانه، يبدو توجه المشرع من خلال قانون الاستثمار الجديد سعي اكبر نحو تكريس الطرق البديلة لحل النزاعات بالنسبة للمستثمر الأجنبي بشكل خاص من خلال نص المادة 12 من القانون 22-18 والتي تضمنت ما كان وارد في المادة 24 من القانون1 16-09 [1]نظم فيها قواعد الاختصاص فيما يتعلق بالنظر والبت في النزاعات المتصلة بالاستثمار لاسيما إذا كان المستثمر أجنبي حيث أشار فيها " ... يخضع كل خلاف ناجم عن تطبيق أحكام هذا القانون بين المستثمر الأجنبي والدولة الجزائرية يتسبب فيه المستثمر او يكون بسبب إجراء اتخذته الدولة الجزائرية في حقه للجهات القضائية الجزائرية المختصة ، ما لم توجد اتفاقيات ثنائية او متعددة الأطراف صادقت عليها الدولة الجزائرية تتعلق أحكامها بالمصالحة والوساطة والتحكيم ، او إبرام اتفاق بين الوكالة المذكورة في المادة 18 أدناه ، التي تتصرف باسم الدولة والمستثمر تسمح للأطراف باللجوء للتحكيم " .
يتضح من خلال نص هذه المادة ان المشرع اسند اختصاص الفصل في المنازعات القائمة بين المستثمر الأجنبي والدولة الجزائرية كأصل عام للقضاء الجزائري استنادا لمبدأ سيادة الدولة1[2] .
غير انه استثناء من هذا الأصل العام وضمانا لحماية حقوق المستثمر وطمأنته ، سمح له باللجوء الى طرق بديلة لحل نزاعه فسمح له باللجوء للتحكيم وذلك في حالتين :
- حالة وجود اتفاقيات ثنائية او متعددة الأطراف صادقت عليها الدولة الجزائرية تتعلق أحكامها بالمصالحة والوساطة والتحكيم
- حالة إبرام اتفاق بين الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار ( والتي تتصرف باسم الدولة )من جهة والمستثمر من جهة أخرى2[3]
لذا وحرصا من المشرع على تحفيز وجذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير مناخ استثماري ملائم ، 3[4]عمل من خلال قانون الاستثمار الجديد على تكريس أكثر للطرق البديلة لحل النزاعات المتصلة بالاستثمار الأجنبي مقارنة بما ورد في نص المادة 24 من القانون 16-09 حيث أضاف الوساطة كطريق بديل أخر يمكن للمستثمر الأجنبي اللجوء إليه .
وعليه يمكن للمستثمر الأجنبي اللجوء للتحكيم وحسم أموره مسبقا قبل وقوع الخلاف أصلا وحماية لمصالحه بعيدا القضاء بإبرام اتفاق مع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار يسمح له هذا الاتفاق بتسوية خلافاته المرتبطة بالاستثمار عن طريق التحكيم الذي ينظم فيه المستثمر مسار تسوية نزاعه ،وهذا ما لم يكن متاح في القانون السابق .
وعليه واستنادا لما سبق يبدو أن المشرع أولى التحكيم الأهمية البالغة مقارنة مع الطرق البديلة الأخرى والتي أشار إليها فقط انه يمكن اللجوء لها في حال وجود اتفاقيات ثنائية او متعددة الأطراف متعلقة بالمصالحة ، الوساطة والتحكيم صادقت عليها الجزائر مع دولة المستثمر.
فيما يلي سنحاول التعرف فقط على هذه الطرق البديلة المتاحة أمام المستثمر الأجنبي لتسوية نزاعه مع الدولة الجزائرية ، حيث نتعرف اولا على التحكيم بالنظر للأهمية التي أولاها له المشرع في نص المادة 12 من القانون 22-18 ( مطلب اول ) ثم نتعرف على المصالحة والوساطة كتقنيات اخرى ودية متاحة أمام المستثمر في حال وجود اتفاقيات صادقت عليها الجزائر في هذا الشأن مع دولة المستثمر الأجنبي
1- ما تضمنته المادة 24 من القانون 16-09 انه يعود الاختصاص بنظر هذه المنازعات الى الجهات القضائية دون تحديدها حيث أشارت إلى انه يخضع كل خلاف بين المستثمر الأجنبي والدولة الجزائرية يكون بسبب المستثمر أو بسبب إجراء اتخذته الدولة الجزائرية ضده للجهات القضائية المختصة إلا في حالة وجود اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تتعلق بالمصالحة والتحكيم..
1- بوفاتح محمد بلقاسم : الآليات الجديدة للاستثمار في ظل القانون رقم 22-18 ، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية ، جامعة زيان عاشور الجلفة ، المجلد 8 العدد الأول مارس 2023 ، ص 294 .
أولا : تأكيد على دور التحكيم كطريق لفض نزاعات الاستثمار الأجنبي
أضحى التحكيم طريق أصيل لحل وتسوية نزاعات الاستثمار الأجنبي وليس الطريق البديل ، لكونه يمكن المستثمر من العديد من المزايا التي تلائم وتتناسب مع طبيعة العقود الاستثمارية من سرعة الإجراءات ، السرية ، حرية الأطراف ، الحياد ، التخصص...الخ لأنه غالبا ما يتخوف من قضاء الدولة المضيفة ، اعتقادا منه أن القضاء الداخلي لن ينصفه كونه لا يتصف بالموضوعية ، وبما ان المستثمر الأجنبي خاصة ،عادة ما يبحث عن ضمانات اكبر لحماية استثماراته وضمان حقوقه ، خاصة ما تعلق منها بشرط الثبات التشريعي ، التعويض عن نزاع الملكية ...وغالبا ما يتوقع حدوث الخلاف والنزاع مع الدولة المضيفة ، في أي مرحلة من الاستثمار ...لذا يفضل الاتفاق على التحكيم بدلا من اللجوء لقضاء الدولة المضيفة .
إذا أردنا التعرف على التحكيم بوصفه طريق بديل لتسوية المنازعات ، فلا نجد له تعريفا في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري ، بمعنى انه لم يحظى بتعريف من المشرع الجزائري غير انه حظي باهتمام من الفقه الذي اجتهد في تعريفه وفيما بعض التعاريف الخاصة بالتحكيم :
حيث عرفه جانب من الفقه انه " تولية الخصمين حكما يحكم بينهما أي اختيار ذوي الشأن شخص أو أكثر للحكم فيما تنازعا فيه دون ان يكون للمحكم ولاية القضاء بينهما1[1]"
فيما عرفه البعض الأخر انه " نظام قضائي خاص يختار فيه أطراف المنازعة قضاءهم بمقتضى اتفاق مكتوب بمهمة تسوية النزاعات القائمة أو المحتملة والتي يجوز النظر فيها عن طريق التحكيم2[2] "
كما عرفه الأستاذ Olivier CAPRASSE "التحكيم عدالة خاصة يتم بواسطتها حل النزاع بعيدا عن الجهات القضائية إذ يعرض على أشخاص يتولون حله "
« L’arbitrage est une justice prive par laquelle la résolution d’une différend est soustraire à la connaissance des juridictions de droit commun pour être soumise à des personnes investies pour l’occasion de la fonction de juge »3[3]
هذا ويعرفه الأستاذ هاني محمد البوعاني " التحكيم هو نظام لفض المنازعات ذو طبيعة خاصة ينظمه القانون ، يترك لأطراف النزاع الحق في الاتفاق على إخراج منازعاتهم الحالة والمستقبلية من ولاية القضاء وطرحها على أشخاص يختارونهم بأنفسهم للفصل في المنازعات بحكم ملزم"1[4].
قبل صدور المرسوم التشريعي 93-09 ، كان التحكيم يخضع للمواد 442 الى 458 من قانون الاجراءات المدنية ، وبدا التمييز بين نوعي التحكيم ( التحكيم الداخلي والدولي ) بصدور المرسوم التشريعي السابق ذكره الذي ادخل فصل كامل في قانون الإجراءات المدنية الملغى تحت عنوان " في الأحكام الخاصة بالتحكيم التجاري الدولي "وابقي المشرع على هذا التقسيم في قانون الإجراءات المدنية والإدارية 08-09 المعدل والمتمم بالقانون 22-13 في المواد 1006- الى 1061 ، المتمعن في هذه الأحكام يتبين بوضوح التباعد بين القواعد المنظمة للتحكيم الداخلي والقواعد المنظمة للتحكيم الدولي ، من حيث حرية الأطراف والمحكمين التي تأخذ حيز كبير في التحكيم الدولي مقارنة بالتحكيم الداخلي اين يضيق نطاقها2[5].
1- ذبيح زهيرة : " التحكيم كوسيلة لفض منازعات الاستثمار في التشريع الجزائري " مقال منشور ، ص 279 .
-نبيل صقر : الوسيط في شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية ، الجزء الأول (الخصومة التنفيذ التحكيم )دار الهدى للنشر ، الجزائر ، 2008 ، ص547 .
2- غريبي بلال : " مدخل عام للتحكيم " محاضرات مقدمة في إطار الدورة التكوينية المنظمة في إطار المركز الاستشاري الإفريقي للتحكيم والوساطة بوهران من 25 إلى 28 جويلية 2018 .