المحور الأول:مدخل إلى قانون المنافسة
الفقرة الرابعة :تمييز قانون المنافسة عن غيره من القوانين
الفقرة الرابعة: تمييز قانون المنافسة عن غيره من القوانين
يعد قانون المنافسة قانونا اقتصاديا ذو علاقة بالقوانين الاقتصادية الأخرى، ولقد أفرز ذلك وجود العديد من نقاط الاتفاق والاختلاف بينه وبين هذه القوانين ومنها:
أولا: تمييز قانون المنافسة عن قانون حماية المستهلك
قانون حماية المستهلك هو جملة القواعد القانونية التي تهدف إلى حماية المستهلك وقمع الغش الذي يتعرض إليه هذا الأخير من خلال السلوكات غير المسؤولة التي ترتكبها مختلف المؤسسات، فالهدف من هذا القانون هو تحقيق الحماية للمستهلك [1] في حين يهدف قانون المنافسة إلى حماية المنافسة ذاتها.
إن ما يدعو إلى التمييز بين كل من قانون حماية المستهلك وقانون المنافسة هو وجود تصور لدى الباحثين بأن الهدف من قانون المنافسة هو حماية المستهلك فما مدى صدق هذا التصور؟ وماهي الأسباب التي دفعت إليه؟
في الواقع، وباستقراء قانون المنافسة نجد أن المشرع قد أشار في العديد من النصوص إلى المستهلك، من ذلك ما ورد ضمن المادة الأولى من الأمر 03-03 التي جاء فيها بأنه : " يهدف هذا الأمر إلى تحديد شروط ممارسة المنافسة في السوق وتفادي كل ممارسات مقيدة للمنافسة ومراقبة التجميعات الاقتصادية، قصد زيادة الفعالية الاقتصادية وتحسين ظروف معيشة المستهلكين "، فهذا النص يجعل من المستهلك غاية لقانون المنافسة.
من ذلك أيضا ما ورد في أحكام أخرى، كتحديد أسعار بعض السلع والخدمات واسعة الاستهلاك أو حماية الأسعار من تقلبات السوق المحتملة خدمة للمستهلك [2].
كما ذكر المشرع المستهلك أيضا في بعض الممارسات المنافية للمنافسة كما هو الحال في ممارسة أسعار بيع منخفضة بشكل تعسفي للمستهلكين [3].
هذا بالإضافة إلى إشراك جمعيات حماية المستهلكين في إخطار مجلس المنافسة بالممارسات المنافية للمنافسة كما ورد ضمن المادة 44 من الأمر 03-03.
كل هذه الأحكام تدعم العلاقة بين قانون المنافسة وقانون حماية المستهلك، ومع ذلك فليس من الصواب القول بأن قانون المنافسة يهدف إلى حماية المستهلك، وإن كان نص المادة الأولى السابق قد أشار إلى المستهلك، فإنه لم يشر إلى الحماية وإنما إلى تحسين معيشة المستهلكين ، وهذا ما يجعلنا نقول أن قانون المنافسة يتجاوز حماية المستهلك التي هي من اختصاص قانون حماية المستهلك وقمع الغش إلى ترقية معيشة المستهلك، ذلك أن قانون المنافسة يرتبط بأهم حق من حقوق المستهلك وهو حقه في الاختيار، فهذا الحق يقتضي وجود بدائل سلعية أو خدمية أمام المستهلك وهو ما يفضي إليه التطبيق السليم لقواعد المنافسة من قبل الفاعلين في السوق.
وعليه يمكننا القول في الأخير أن المستهلك وإن كان محل اهتمام من قبل قانون المنافسة، فإنه ليس الهدف المباشر لهذا القانون وهو حماية السوق من شتى التجاوزات وبتحقيق هذا الهدف تتحقق عرضيا مصلحة المستهلكين.
ثانيا: تمييز قانون المنافسة عن قانون الممارسات التجارية [4]
يختلف قانون المنافسة عن قانون الممارسات التجارية في أن مجاله هو النشاط الاقتصادي بأبعاده الثلاث (الإنتاج والتوزيع والخدمات) في حين أن قانون الممارسات التجارية مجاله هو العلاقات التجارية؛ كما أن قانون الممارسات التجارية يتصدى للممارسات المرتكبة بين بعضهم البعض وتلك المرتكبة إزاء المستهلكين.
ولقد قضى مجلس المنافسة في العديد من الإخطارات بعدم اختصاصه عندما يتعلق الأمر بممارسات تجارية مخالفة، فبصدد إخطار تقدمت به الشركة ذات الأسهم ( رونو الجزائر) ضد شركة (سوفاك) ادعت فيه رونو ممارسة سوفاك إشهارا مقارنا أساءت عن طريقه إلى منافسيها بالإشادة بمؤهلات سيارة (سكودا فابيا) وقد قرر مجلس المنافسة عدم قبول الإخطار بسبب أن المآخذ تدخل في إطار الممارسات التجارية المنظمة بالقانون رقم 04-02، وبالتالي تخرج عن مجال اختصاص المجلس[5].
مع ذلك، نجد أن الأمر 03-03 المتعلق بالمنافسة قد أحال في بعض مواده الخاصة بالناحية الإجرائية على القانون 04-02 الخاص بالممارسات التجارية المعدل والمتمم.
ثالثا: تمييز قانون المنافسة عن المنافسة غير المشروعة
تعرف المنافسة غير المشروعة بأنها: " كل منافسة تتعارض مع الممارسات الشريفة في الشؤون الصناعية أو التجارية، وعلى وجه الخصوص الأعمال التي تسبب لبسا مع منشأة أحد المتنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي والتجاري، والادعاءات المغايرة للحقيقة في مزاولة التجارة، والتي قد تسبب تضليلا للجمهور فيما يتعلق بطبيعة المنتجات أو طريقة تصنيعها أو خصائصها أو صلاحيتها للاستعمال، وكذا أي ممارسة قد تنال من شهرة المنتج أو تحدث لبسا فيما يتعلق بمظهره الخارجي أو طريقة عرضه أو قد تضلل الجمهور عند الإعلان عن سعر المنتج أو طريقة احتسابه " [6].
إن دعوى المنافسة غير المشروعة وسيلة منحها المشرع للتاجر بهدف حمايته من ادعاءات منافسيه التي تهدف إلى إبعاده من النشاط بطرق غير مشروعة، وهي بذلك ذات مجال أضيق من قانون المنافسة الذي يهدف إلى حماية السوق.
في بداية إنشائه سنة 1995 تلقى مجلس المنافسة العديد من الإخطارات تتعلق بمنافسة غير مشروعة، فبموجب إخطار صادر عن شركة ( أورونجينا الجزائر) ضد السيد سعيد زعيم صرح صاحب شركة أورونجينا صرح فيه صاحب شركة أورونجينا أنه اتفق بصفته المالك الوحيد لهذه العلامة مع السيد زعيم محمد لمنحه امتياز لاستغلالها لمدة سنتين، وذلك بموجب عقد رسمي بينهما، غير أن عدم احترام مقاييس الصنع أدى بالمالك الأصلي إلى فسخ العقد، ومع ذلك واصل السيد زعيم - حسب الإخطار- استغلال العلامة عن طريق التدليس فيما فند الطرف المشتكى منه استغلال علامة (أورونجينا) مؤكدا أنه يملك هو الآخر شركة تحمل اسم (اونجينا الجزائر) وبأنها مسجلة بصفة قانونية لدى المركز الوطني للسجل التجاري . وقد قضى المجلس بخصوص الإخطار بالرفض لعدم الاختصاص بقوله: " اعتبارا أن الوقائع كما هي مطروحة لا يمكن وصفها بممارسات منافية للمنافسة بالمفهوم الوارد في المواد 6،7،10 من الأمر 95-06 ولا تدخل بالتالي في مجال اختصاصه " [7].
[1] ورد تعريف للمستهلك ضمن قانون حماية المستهلك بأنه: " كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني بمقابل أو مجانا، سلعة أو خدمة موجهة للاستعمال النهائي من أجل تلبية حاجته الشخصية أو تلبية حاجة شخص آخر أو حيوان متكفل به ": المادة الثالثة من القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فيفري 2009، يتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش، ج ر العدد 15 لسنة 2009.
[2] انظر المادتين الرابعة والخامسة من الأمر 03-03 المتعلق بالمنافسة.
[3] انظر المادة 12 من الأمر 03-03 المتعلق بالمنافسة.
[4] القانون رقم 04-02 المؤرخ في 23 جوان 2004، يحدد القواعد المطبقة على الممارسات التجارية، ج ر عدد 41 لسنة 2004، المعدل والمتمم بالقانون رقم 10-06 المؤرخ في 15 أوت 2010، يعدل ويتمم القانون رقم 04-12، جر عدد 46 لسنة 2010.
[5] التقرير السنوي لمجلس المنافسة لسنة 2015، ص 47 منشور على موقع المجلس: www.conseil-concurrence.dz
[6] معين فندي الشناق، الاحتكار والممارسات المقيدة للمنافسة في ضوء قوانين المنافسة والاتفاقيات الدولية، دار الثقافة والتوزيع، الأردن، 2010، ص 25.