المحور الأول :في ماهية الدولة
تتناول في هذا المحور اشكالية الدولة كمفهوم الاصطلاحي لكن قبل ذلك و كما جرت العادة ، سنتناول ذلك من زاويتين اثنين : من الجانب اللغوي ، بعد ذلك سنتناول مكوناتها أو اركانها
بالتالي فهيتتضمن محورين اثنين أساسيين:
1- المحور الأول: نتناول فيه مفهوم الدولة: وفيه نتساءل: هل مفهوم الدولة هو مفهوم ثابت و مستقرّ و ما هي العلاقة بين المفهومين اللغوي و الاصطلاحي.
2- المحور الثاني: نأتي فيه على استعراض أركان الدولة : و فيه نتساءل عن مكونات الدولة ، أو العناصر التي تقوم عليها ، و كذا نبحث في مضامين هذه العناصر و مدى اختلاف النظريات التي تتناولها .
تتناول هذه المحاضرة بالشرح ماهية الدولة كمفهوم قانوني بالدرجة الأولى، ولكنه أيضا مفهوم متعددة الابعاد، سياسية، اجتماعية وقانونية في آن واحد.
بالنتيجة فهي تجيبنا على التساؤلات التالية:
1-ما معنى الدولة ، لغةً ؟
2-ما معنى الدولة اصطلاحا؟
3-ماهي تعاريف أهم فقهاء القانون الدستوري لمصطلح الدولة ؟
4-ماهي الاركان التي تقوم عليها الدولة
.
المحاضرة الأولى : في مفهوم الدولة:.
يتضمن هذا المحور عرضا لمعنى مصطلح الدولة ، لغة و اصطلاحا ، حيث نستعرض فيه مجموعة من تعاريف كبار الفقهاء في مجال القانون الدستوري
01 : لغةً .
يُقصَدُ بكلمة الدَّوْلَةُ- أو الدُّولَة في اللغة، بتشديد الدّال مع فتحها أو ضمّها، العاقبةُ في المال والحـرب ويقال أيضاأنّ معناها بالضمّيذهب الى العاقبة في المال، وبالفتح تدّل على العاقبة في الحـرب. كما قيل أيضا أنّ الدُّولة بالضمّيقصد بها العاقبة في الآخرة، وبالفتح للدنيا.
والدّولة معناها أيضاالغلبةُ، فيقال كانت الدولة لنا، أي أنّ الغلبةَ كانت لنا، والراجح أنّ مصطلح الدّولة في مجال دراستنا مُستنبطٌمن هذا المعنى،لاتصافها بالغلبة التفوق على غيرها من الكيانات، وإلا لما كانت "دولة".
وتُجمَع كلمة دولةٍ على دُوَلٍ بضم الدّال وفتح الواو، ودِوَلٍ بكسر الدال وفتح الواو، ويُشتَق منها الفعل دالَ ومعناه تحوّل الشيء وتغير وتبدّل [1].
ضمن هذا المعنى جاء التعبير الشهير الذي يُنسب في معناه للإمام علي كرم الله وجهه " الأيام دُوَلٌ، يوم لك ويوم عليك"، بمعنى أنّ الاحوال تتغير وتتبدل، وكذلك قولِ الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرنّدي، في مرثيته الشهيرة للأندلس[2]:
هي الأمور ما عايشتُها دُولٌ ... من سرَّه زمن ساءته أزمانُ.
وهذا المعنى الأخير، نجدُه على العكس تماما من المعنى الرائج في اللغات الاجنبيّة، كما أنّ هذا التنوع في معاني الكلمة في اللغة العربية، لا نجد له مقابلا في هذه اللغات، فالجذور اللغوية لكلمة "دولة" في التعبيراللاتيني القديم تقابلها كلمةStatus، وفي الفرنسية تقابلها كلمةEtat مع تكبير الحرف الأولmajuscule ، وكلمةState في اللغة الانجليزية، وهذه المفردات تحمل كلها دلالةً مضمونها "حالة " أو " طريقة العيش" وهي تفيد الاستقرار والثبات، عكس ما هو الحال في اللغة العربية كما رأينا.
02- : مفهوم الدولة اصطلاحا:
يمكنُ التطرق للمفهوم الاصطلاحي للدولة على مستوى الفقه، حيث نجد العديد من التعاريف التي تعطي مفهوما للدولة، غير أنّها في كل مرة تتناول هذا المفهوم من جانب واحدٍ من ضمن جوانبه المتعددة[3]:
أولا : من زاوية عناصرها المادية: تجدرالإشارةهنا إلى تعريف الفقــــيه أندري هوريو الـذي يرى بأنّ " الدولة هي مجموعة بشرية مستقرة على أرضٍ مُعينة وتتبع نظاما اجتماعيا وسياسيا وقانونيا معيّنا، يهدف إلى الصالح العام ويستند إلى سلطة مزّودة بصلاحية الاكراه."
ثانيا: الدولة من زاوية عنصر الإكراه: تَبَنَّى هذا المفهوم الفقيه ليون دوجي الذي يقول: " تكون هناك دولة بالمعنى الواسع، عندما يوجد في مجتمع ما اختلاف أو تمييز سياسي مهما كان بسيطا أو معقّدا بين الناس فيكون هناك حكاما من جهة ومحكومين من جهة أخرى، ويتمثل جوهر الدولة في السلطة التي هي سلطة إكراه مادي، لا تعارضها سلطة أخرى منافسة لها في المجتمع، تمنعها من تنفيذ إرادتها".
ثالثا: من زاوية كونها مفهوما عاما مجردا: يقول بهذا الرأي الفقيه الفرنسي جون بيردو الذي يرى أنّالدولة" هي صاحب السلطة المجردة والدائمة، والتي يكون الحكام فيها سوى وكلاء أو أعوان يمارسون تلك السلطة بشكل عرضي أو عابر.".
خلاصة يمكن تعريف الدولة من خلال تجميع هذه العناصر بكونها، كيانٌ قانوني يعبر عن شعب مستقر على إقليم معين وخاضع لسلطة سياسية دائمة معينة مستقلة عن الحكام وتُمارَس بالإكراه تجاه المحكومين
وهذا التعريف يحقق الاجماع بين غالبيةالفقهاء وإن اختلفوا في منطق الصياغة، كونه يحـتوي العناصر الرئيسيّة التي لابدّمن توافرها لقيام أي دولة، وهي الشعب، والإقليم والسلطة، كما سنرى ذلك لاحقا.
[1]ابن منظور، "لسان العرب". نقلا عن موقع https://.www. shamela.ws/book/1687،. نظر بتاريخ 01 مارس 2024 .
[2] أبو البقاء الرندي، شاعر أندلسي شهير ولد في مدينة رندة، سنة 1204 وتوفي سنة 1285 فشهدتتالي سقوط دول ملوك الطوائف في الاندلسوفي ذلك نظم قصيدته المشهورة في رثائها والتي مطلعها: لكل شيء اذا ما تمّ نقصان ... فلا يُغَرُّ بطيب العيش انسان . ومنها البيت التي اوردناه.
[3]محسن خليل ، النظم السياسية والقانون الدستوري ، الجزء الأول ، النظم السياسية ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1972 ، ص22 .