المحور الثاني : نشأة الدولة واساس السلطة فيها
بعد أن عرفنا في المحور الأول ى معنى الدولة و مكوناتها ، نتطرق في هذالمحور الى كيفية نشأة الدولة ، حيث سنستعرض في ذلك عدة نظريات حاولت تفسير نشأة الدولة.
هذه النظريات يمكن تقسيمها بحسب طبيعتها الى 04 أنواع:
- نظريات ترجع نشأتها الى عوامل ميتافيزيقية.
- نظريات تُفسر نشأتها بعامل القوة والغلبة، مع اختلاف في طبيعة هذه القوة ومصدرها.
- نظريات ترى في الدولة ظاهرة اجتماعية تاريخية نشأت وتطورتبتطور التجمعات البشرية.
- وأخيرا نظريات تراها نتيجة اتفاق بين افراد المجتمع البشرى.
المحاضرة الأولى : النظريات الميتافيزيقية
يُرجِعُ أصحاب هذه النظريات فكرة نشأة الدولة إلى قِوى غيبية خارجة عن الطبيعية وخارجة أيضا عن ارادة الانسان، هذه القوى هي التي قضت وأرادت لهذا التنظيم أنْ يوجد[1].
بمعنى آخر، هذه القوى الغيبة المتمثلة في الآلهة أو الله - حسب المعتقدات - هي التي كانت لها المبادرة بإنشاء الدول، ومنح السلطة فيها لمن تشاء.
ويترتب عن ذلك بطبيعة الحال أنّ صاحب السلطة أو الحاكم بمفهومنا المتعارف عليه، يستمدُّ سلطته من الله، ومن ثمّ فإنّ إرادته تسمو على إرادة المحكومين، هذا السموّ ينبثقُ من حقيقة أنَّ الله هو الذي فضّل الحاكم على المحكومين،بأنْ جعله يتميزُ بصفات تؤهله لهذه المهمة، وهي صفات غير متوفرة في المحكومين.
تاريخيا، كان لهذه النظريات حيّزا زمانيا كبيرا، حيث سادت على مدار العصور القديمة، بدءً بالعصر الفرعوني، إلى العصر المسيحي فالإسلامي وطيلة العصر الوسيط.أكثر من ذلك، استمرت آثار هذه النظريات وبعض تجلياتها الى غاية مطلع القرن العشرين، كما سيتبيّن لاحقا، ويعود السبب في ذلك الى الدور البارز الذي ظلت المعتقدات والاساطير تلعبُه في فكر الانسان وطريقة حياته[2].
وإذا كان هذا الرأي قد ارتكز على فكرة أنّ السلطة مصدرها الإله، فإنّ هناك اختلافات في تفسير كيفية نقل هذه السلطة من الاله الى الحاكم، لتظهرَ بذلك اتجاهات ثلاثة:
01- : نظريةالطبيعةالإلهيةللحاكم: الحاكم هو الله ذاته.
ساد هذا الرأي في العصور والحضارات الاكثر قِدَمًا، وقتها كان الاعتقاد بألوهية الحاكم شيئا مألوفا بل واجبًا، مع كلّ ما يترتّب عن ذلك من حتمية الخضوع له والائتمار بأوامره، بل عبادته والتقرب اليه، لأنه الإله هنا وفي الحياة الأخرى.
ومن الحضارات القديمة المشهورة التي ساد فيها هذا الطرح، نذكر الحضارة الفرعونية في مصر، حيث كان الفرعون يُعبَدُ ويطلق عليه اسم ( رع ) أيْ الاله، في عهد الاسرة الفرعونية الرابعة، وكان يسمى أيضا (هوريس) في عهد الأسرتيْن الأولى والثانية. وفي الهند كان الملوك يُعتَبَرون انصاف آلهة في صور بشرية، وأنهم يستمدون سلطتهم من البراهما، الذي الإله الأكبر[3].
لكن قولنا أنّ ذلك كان في العصور القديمة، لا ينفي أنّ بعض تطبيقات هذا الرأي أو على الاقل بعض تجلياته قد استمرت في الوجود الى غاية القرن العشرين، حيث نجد أنّ الشعب الياباني مثلا ظلالىغايةقيامالحربالعالميةالثانيةيؤمِنبفكرة سموّ الإمبراطور وقدسيّته، ولو أنّ ذلك لم يرقَ الى درجة التأليه[4].
وواضح بطبيعة الحال أنّ هذا التوجه لا يُفرق بين فكرتين متباينتين هما: السلطة السياسيّة في الدولة والعقيدة الروحيّة، التي هي مظهرٌ ذاتي شخصي ليس إلاّ.
02- : نظريةالتفويض الالهيالمباشر: الحق الالهي
تقوم هذه النظرية على فكرة أنّ اللههوالذياختارالحاكم من بين بقيّة افراد المجتمع، لكيْ يمنحهسلطةمقدسة ومطلقة على بقية الافراد، الذين لايجوز لهم مخالفتها أو الاعتراض عليها.
ولأنّ هذه السلطة مستمدةٌ من ارادة الله، فإنّ مخالفتها هي عصيان لإرادة الله ذاتها، وخروج عن قضائه، بما أنّه هو من اختار هذا الشخص دون غيره لمنحه حق تمثيل ارادته في الأرض.
وتترتبُ على هذا المنطق نتيجةً أساسيّة مؤداها أنّ الحاكم مسؤول فقط أمام الله وحده،ممايعنيأنْ ليس للشعب أو المحكومين حقَّتقييم تصرفاته أو محاسبته.
وقد ظهرت هذه النظرية بفعل تأثير الديانة المسيحيّة في عصرها الأول، كدين سماوي تمّ من خلالها اقرار قاعدة أساسية تقضي بأنَّ العبودية أو العبادة لا تكون إلا لله وليس للبشر، وبذلك لعبت دورا كبيرا في خلع صفة الألوهية عن الحكام، ومن ثَمَّ قامت بهدم أساس النظرية الأولى، نظرية " الحاكم الاله ".
وقد تجلّى ذلك بشكلٍ كبير من خلال الآية الرائجة في هذه الديانة، التي تُنسب الى السيد المسيح عليه السلام قوله " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله "[5]،حيث أقرّت بأنّ الله والقيصر- الملك - شيئان منفصلان.
في مقابل هذا الفكر المتجدد في ذلك الوقت، ساهمت الكنسيةبفعل تحالفها مع الملكية،في اطالة هذا الترابط بين الحُكم والدين ولو بأشكال أقَّل حدةٍ. هذا الترابطظل يخيّم على أوربا في القرون الوسطى، كما هو الشأن في فرنسا، التي استخدم ملوكها هذا الطرح لتدعيمسلطانهمعلىالشعوب،بعد أنْ بنَوْا نظرتهم للحكم من منطلق أنَّ اللههومصدركلسلطة، وأنّ والملوكلايُسأَلُون عنكيفية ممارستهم للحكم،إلاأمامالله.
وفي هذا السيّاق يقولالملكلويسالرابععشر[6]إنّالسلطانالذييتقلّدهالملوكإنّماهوتفويضمنالعناية الإلهية،لأنّاللههومصدركلسلطان". وكنتيجة لهذا المنطق جاءت مقولته الشهيرة "الدولةأنا وأنا الدولة"، في إقرار واضح عن تداخل مفهوميْ الدولة والحاكم، بل لاستيلاء الحاكم على الدولة ككل.
في نفس السياق يقول الملكلويسالخامسعشر[7]" إننالم نتلقَالتاجإلامنالله،فَسُلطةُ عملالقوانينهيمناختصاصناوحدنا،ولايشاركنافيذلكأحدٌولا نخضعفيعملنالأحد"[8].
مهما يكن، فقد مثلّت هذه النظريّة – مقارنةً بسابقتها- خطوةً في سياق التخلص من الفكر التيوقراطي المنغلق، وذلك من خلال تمكّنها من تقويض الطبيعية القُدسية والالهية للحكام.
03- : نظرية التفويض الالهي غير المباشر:
تتفق هذهالنظريةمعنظريّةالحقالالهيالمقدسفيمسألة قيام الله بتفويضالسلطةَ للحاكم، غير أنها تختلف عنهافيتفسير كيفيةمنحهذا التفويض.
من وجهة تاريخية، جاءت هذه النظرية بعد انهيار الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، والذي تبعته سيطرة أكثر شدّةً للكنسية على العالم المسيحي وقتذاك، حيث لم يعد بإمكان الملك ممارسة مهامه الا بعد أن تتولى الكنيسة القيام بالطقوس الدينية التي يتم بموجبها تتويجه ملكا للبلاد[9]، فكان ذلك شكلا من اشكال التفريض الالهي لهذا الملك، يمكّنه من مباشرة سلطته، بعد "استيفاء" هذه الطقوس الكنسيّة.
ويرى رواد هذه النظرية أنّ اللهلميمنحالسلطةللحاكمبصفة مباشرة، لكنه رتّبَالأحداثبطريقة مقدرة وعلى منوالٍ مُحدّد لكي تؤدي الى أنْ يكون الشخصالذيتختاره هذهالعنايةالإلهية حاكمامندونغيره.
معنى ذلك أنّ الله لا يختار الحاكم مباشرة، ليمنحه السلطة - كما يرى أصحاب نظرية التفويض المباشر- ولكنه يُلهِم المحكومين ويرتب الأحداث لكي تؤول هذه السلطة الى هذا الحاكم.
إذن فإرادة الله في هذه المسألة موجودة رغما عن ارادة البشر وفوقها، لذلك لا ينبغي الاعتراض عليها أو مناقشتها أو محاولة تغييرها.
خلاصة:نستنتج من هذه النظرية باتجاهاتها الثلاثة، أنها ترُجِعُ نشأة السلطة - ومن خلالها الدولة- الى إرادة الله، وإن اختلفت في تعبيرهاالظاهري، وهذا المنطق ليس سوى انعكاس لمذهب كلاسيكيًّ شامل، يفسر الظواهر بكل أنواعها تفسيرا غيبيًّا، كما كان الحال مع الظواهر الطبيعية، كالزلازل والخسوف والامطار وغيرها.
ولقد وجَد الحكام وقتها في هذه النظرية غايتهم، بعد أنْ أقرّت بأنّهم بالسلطة المطلقة، و" أعفتهُم " من المسؤولية أمام الشعب،الذي لا يحقّ له الخروج عن إرادتهم "والتمرد" على سلطاتهم، وفي هذا تواطؤ مفضوحٌ بين الفكر الديني الكنسي والمصلحة السياسية، ويتنافى كليةً مع الأنظمة القائمة على أساس ديمقراطي، التي هي على النقيض من هذا الفكر، حيثترى أنّ الحاكم يستمدُّ سلطته من الشعب وهو مسؤول أمامه عن كيفية ممارستها.
[1]سعيد بو الشعير، القانونالدستوريوالنظمالسياسيةالمقارنة،الجزءالأولديوانالمطبوعاتالجامعية،الجزائرالطبعةالثامنة 2007 ص 26 ما بعدها .
[2] سعيد بو الشعير ، نفس المرجع ، نفس الصفحة.
[3]محسن خليل،النظمالسياسيةوالقانونالدستوري،الجزءالأول،النظمالسياسية،دارالنهضةالعربية،بيروت، 1972 ، ص 18
[4]حسين عثمان محمد عثمان، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة، 1991،ص 121
[5] نقلا عن سعيد بو الشعير ، مرجع سابق ص 27
[6] يلقب بـ الملك العظيم، ولد سنة 1638 وتوفي سنة 1715، عُرف بأنّه أطول ملك حكم فرنسا، حيث امتد حكمُه من 1643 الى غاية وفاته.
[7] ولد سنة 1754 وتمّ اعدامه شنقا سنة 1793بعد الثورة الفرنسية . حكم فرنسا من سنة 1774 الى غاية 1792.
[8]حسين عثمان محمد عثمان، مرجع سابق ص621.
[9]سعيد بو الشعير ، مرجع سابق ، ص 28 .